محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي ( ابن طولون )

101

مفاكهة الخلان في حوادث الزمان

وفي يوم الأربعاء خامس عشريه ضرب دوادار السلطان رجلا جمّالا حتى مات ؛ وسببه أن جماعة من تجّار الأرمن قدموا دمشق ، وأرادوا السفر إلى مصر بحرير معهم ، فاكتروا مع هذا الجمّال ، فلما خرج بهم إلى قرب سعسع قطعت لهم راحلة وذهب بهم منها شيء ، فرجعوا وشكوا عليه وأدركوه ليقرّ ، فلم يقرّ ومات ، فذهبت دنياهم وبقت عليهم التبعات ، فلا قوّة إلا باللّه ؛ ووقف أهل الميت به في نعش للنائب ، فلم يأخذ بأيديهم لكون الدوادار من مماليك السلطان ، وهو رجل جبّار فاجر . - وفي هذا اليوم دعي في الشامية لبطالة الدروس . وفي يوم الثلاثاء مستهلّ جمادى الأولى منها ، عزر قاضي الحنفية العمادي لمحمد الكازروني ، وأهانه وسجنه بسجن باب البريد ، وهو لعمري أقلّ جزائه ، فإنه أعرج نحس مختصر فاض ، يتوكّل ويأخذ من الجانبين ، تارك للصلاة . - واستهلّ هذا الشهر وقد امتلأت دمشق من العسكر المصري ، والمماليك الجلبان ، حتى غلقت حوانيت كثيرة ، ولم يجسر أحد أن يركب حمارا ، فضلا عن غيره ، حتى القضاة ترى أبوابهم مغلقة إلا الخوخة ، خوفا على دوابّهم ومنازلهم ، حتى إن قاضي الشافعية دخل حمّام منصور ، وترك ثيابه على عادة الناس ، واستعمل صانعا ، فدخل مملوك ، فأمر الصانع أن يحلق رأسه ويدلّكه ويغسله وأطال المكث ، ثم خرج فادّعى أنه بجيبه مائة دينار سرقت ، فلم يزل بالحاضرين حتى أخذ منهم ثلاثمائة درهم ، هذا بعد كلفة في الحمّام ، ولا قوّة إلا باللّه . وفي يوم الأربعاء ثانيه عرض أهل باب المصلّى مشاة ، نحو خمسين رجلا . - وفي يوم السبت خامسه نودي بدمشق بأن من كان له على الأجناد وأهل الحلقة والمستخبرين دين فلا يطالب به ، وذهب للناس في ذلك مال كثير ، ووقف حال الناس زيادة على ما هم فيه . وفي يوم السبت خامسه جاء مرسوم شريف في شمس الدين بن الشيخ عيسى البغدادي ، وعمّي القاضي جمال الدين بن طولون مفتي دار العدل ، فرفعا إلى القلعة ، ثم بعد يومين أو ثلاثة أفرج عن ابن طولون ، ثم عن الآخر . وفي يوم الخميس ثامنه وصل الخبر إلى دمشق بأن السلطان ولّي تمربغا الترجمان ، المتشرف بالإسلام ، نظر جيش دمشق ، عوضا عن محبّ الدين سلامة بن يوسف الأسلمي ، وكلاهما بمصر ، وسبب ذلك أن محبّ الدين المذكور كان قد صال وطال ، وهان الفرنج ، بسبب بهار السلطان ، وضرب شخصا منهم بالقلعة ، فاشتكوا عليه للسلطان بأن أخذ منهم عشره آلاف دينار ، وأباحوا أخذها منه للسلطان ، وأنهم يزيدون السلطان عليها مثلها ويولّي عليهم الشخص المذكور تمربغا ، فإنه كان فرنجيا منهم ، ثم أسلم ، ودخل عند النائب المتوفّى